الشيخ محمد علي الأنصاري

563

الموسوعة الفقهية الميسرة

ولا يمنع منه العقل ولا الشرع . نعم إذا وصل الضرر إلى درجة عالية من الخطورة كتلف النفس ، أو انتهاك العرض ، فقد يلزم العقل دفعه ، ومنه يكشف حينئذ حكم الشرع بلزوم دفعه أيضا ؛ بحكم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، وعندئذ تصدق قاعدة « لزوم دفع الضرر المحتمل » وتصير بيانا يرتفع به موضوع قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » . وأمّا الضرر الأخروي وهو العقاب ، فلا يحتمل بعد الفحص واليأس من الدليل على الحكم المشكوك ، وعلى فرض احتماله « 1 » فسوف يكون على مخالفة الواقع - لو تحقّقت - لا على مخالفة القاعدة ؛ فلذلك تكون القاعدة إرشادا لترتّب العقوبة على مخالفة الواقع ، ويشهد لذلك عدم ترتّب أي عقوبة على مخالفة القاعدة ، إذا لم تستلزم منها مخالفة الواقع ، كما إذا احتملنا وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فلم نعمل به ولم يكن واجبا في الواقع . وأمّا إذا كان الضرر المحتمل هو الوقوع في المفسدة أو فوت المصلحة ، فترك التكليف وإن كان قد يلزم منه ذلك ، ولكن ليس هناك قاعدة عقليّة أو عقلائيّة تدلّ على لزوم دفع المفسدة المحتملة ، ويشهد بعدمها الوجدان وسيرة العقلاء ، بل وحكم الشارع بالبراءة في الشبهات الموضوعيّة بلا شكّ كما يأتي . نعم ، قد تكون المفسدة أو المصلحة المحتملة على درجة عالية من الأهمّية بحيث يلزم التحرّز من الوقوع في مخالفتها ولو احتمالا ، فعلى الشريعة عندئذ أن تلزم المكلّف بالاحتياط ، كما هو في باب الدماء والفروج والأموال . والحاصل : أنّ قاعدة « قبح العقاب بلا بيان واصل » سليمة من المعارض ، ولا تعارضها قاعدة « وجوب دفع الضرر المحتمل » ، فإنّه مضافا إلى ما تقدّم من النقاش فيها ، لا يمكن فرض التعارض بين حكمين عقليّين إلّا أن يكون أحدهما واردا على الآخر أو حاكما عليه ، وبناء على هذا ، فإذا فرضنا أنّ قاعدة « دفع الضرر » حاكمة أو واردة على قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » ، فلا يبقى لها مورد أصلا ، بخلاف ما لو جعلنا الثانية حاكمة أو واردة على الأولى ، فإنّه يبقى لها مورد ، وهو الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي والشبهات الحكميّة البدويّة قبل الفحص « 1 » .

--> ( 1 ) احتمال الضرر إنّما يتصوّر في الشبهات البدويّة قبل الفحص واليأس ، وفي الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ، كما لو علم بكون هذا المائع خمرا أو ذاك ، فلو شربهما معا ارتكب الحرام الواقعي قطعا ، أمّا لو شرب أحدهما فقط احتمل ارتكاب الحرام ؛ فلذلك يجيء دور القاعدة هنا لتقول للمكلّف : يجب عليك دفع الضرر المحتمل وهو العقاب على شرب الخمر . 1 انظر : كفاية الأصول 343 - 344 ، وفوائد الأصول 3 : 366 - 368 ، ومصباح الأصول 2 : 284 - 288 .